MBC Al Amal | Keynote Address

03/25/2020

أسعدني أن أكون المتحث الرسمي في حفل MBC الأمل السنوي والذي أقيم في مدينة الرياض لأول مرة بعد أعوام من إقامته في مدينة دبي، وذلك للاحتفال بخريجي MBC Edutain وشركائهم في التنمية المستدامة والأثر الإجتماعي وصناع الأفلام الملهمة.

 

أما التالي فأترك بين أيديكم كلمتي التي ألقيتها في الحفل على ضيوف أعتز بهم من كبار صنّاع السينما والإعلاميين في عالمنا العربي وطلاب وطالبات يمهّدون مساراتهم في المجال نفسه. لعلّها تلهم البعض وتنعش آخرين.

 

 

------------------

في نوفمبر الماضي، بينما كنت أبحث عن ممثلين من الأطفال لدور بطولي في فيلمي القصير: ”حتى نرى النور،“ قابلت صبياً في التاسعة من العمر يدعى سهل في جلسة من جلسات تجارب الأداء. وبعد الانتهاء من بعض التمارين معه، قررت أن أطرح عليه فكرة.

 

فقلت له:

   ”سهل، إذا حبّيت توريني أفضل شيء عندك الآن، إيش ممكن يكون؟“

قال لي:

   ”حأعملك ساندوتش جبنة.“

قلت له:

   ”يلا بينا، وريني“

 

بدأ يصنع سهل ساندويش الجبنة هكذا:

 

مشهد تمثيلي بصوت:

    "تقطعي الجبنة وتقطعي الطماطم، وتغسلي الخس، وبعدين تضيفي الدقة شويتين زي كدا، وتأخذي الخبز المحمص من الفرن وتحطي الجبنة والخضار جوة الخبر، وبعدين تاكليها…."

ثم عدت إلى منصة المتحدث وأكملت

 

أبدى سهل ثقة عالية ووضوح في الشرح وبداهة ومقدرة على التحدث والانطلاق جديرة حقاً بالاهتمام. ولكن بدى لي وكأن الموضوع كان عرضاً ينقصه بعضاً من العفوية. فنظرت إليه قائلة:  

    ”ممتاز يا سهل، شهيتني حقيقي .. بس هل ممكن تعمل نفس الشيء من جديد بدون ما تشرح لي بصوتك الخطوات؟“

 

طلع سهل من جديد وقام بهذا.

 

مشهد تمثيلي بدون صوت: 
نفس الخطوات من تقطيع وتحميص وإضافة للدقة وأكل الساندويش.

ثم عدت إلى منصة المتحدث وأكملت

 

بدى وكأن هناك شيء من اليوفوريا التي نتجت مع الاندماج في صنع شيء ما.

بدى هناك شيء من الكاريزما التي ظهرت لتلفت أنظارنا فقط حين خفض سهل صوته ولمسنا بالفعل.

بدى هناك تركيز أعلى.

وكسوف أكبر.

وشجاعة أوضح.

 

فأن تكون على استعداد لتُظْهِر نفسك المجرّدة هكذا دون أن يكون بينك وبين الآخر حاجز - من حائط أو من كلام - يُعَد أكيد شجاعة. ولذلك فصناعة الأفلام والمحتوى تحتاج إلى شجاعة، ليس فقط كتلك التي بهرني بها سهل وهو يحضر ساندويتش الجبنة في صمت، ولكن…

 

كذلك الكاتب الذي وضع جزءاً من حقيقته في نصه الدرامي.

وكتلك المخرجة التي أصرّت على مشهد لأنه يذكرها بطفولتها.

وكذلك المنتج الذي قبل مشروعاً لأنه رأى فيه نفسه.

 

ولكن أكبر شجاعة من الممكن أن يخوضها إنسان تكمن في إحدى جوائز الليلة، وهي شجاعة: التسامح

ولذلك أحب أن أصر على أن التسامح تفاعل وتعايش وتدارس وتواؤم، وليس كما تشير ترجمته إلى الانجليزية - توليرينس - وذلك أن أتحملك وأن تتحملني. لأن في مجالِنا - وخاصة مع بدايات صناعة السينما في السعودية اليوم - لا توجد مساحة لتحمّل الآخر وللإنغلاق على الذات لتفادي الغير، لأنك إن استطعت وتحملتني اليوم بقرار أن تتفاداني في الغد، فمن المحتمل جداً أن يجمعنا الغد في عملٍ آخر، إلا إنت كنت تريد أن تتفادى الغد بأكمله.، وهذا بالطبع أمرٌ آخر.

 

يذكرني هذا بعنوان ثاني لفتني في جوائر الليلة وهو: التنوع والاندماج.

يقول خوسيه أورتيغا، الكاتب والفيلسوف الأسباني:

     ”أنا عبارة عن (أنا) زائد (محيطي)، وإذا لم أحافظ على الأخير، فأنا لا أحافظ على نفسي.“

“I am I plus my surroundings; and if I do not preserve the latter, I do not preserve myself.”     

 

في العام الماضي، تشجّعت وعَمَلت على مشاريع مع ناس مختلفة - خارج دائرتي التي اعتدت عليها - من العلا إلى رجال ألمع ومن القاهرة إلى أسبانيا ومن جيزان وعودة إلى جدة والرياض، وإن كان هناك تحدّي واحد لازمني خلال جميع رحلاتي فهو: نفسي. فإذا فكرنا في الأمر قليلاً، سنجد أن النفس هي الشيء الوحيد الذي يلازمنا في جميع رحلاتنا. وإذا تمعنا النظر، فهي أيضاً الشيء الوحيد الذي لدينا المقدرة لتطويره ولتهذيبه. وبينما نحن هنا، فسأطلعكم على ما فَعَلَته نفسي قبل أسبوع.

 

كان أول يوم تصوير لي مع ياسر السقاف في فيلمنا الجديد: "أبطال." انتابني ارتباك شديد خلال تصوير أول مشهد لي.. 

حرّيت، عرقت، اختنقت، ورقبتي تشنجت من الطبلة التي كنت أحملها على عنقي. طلبت منهم أن يمهلونني خمس دقائق. ذهبت فيها لأمرن عضلاتي وصوتي وأجدد فيها من نفسي، ثم عدت وكأني جديدة.

 

أتمنى بهذه الكلمات أن نأخذ ثوانٍ للنظر إلى الأشخاص الذين يجلسون في محيطنا - على اليمين وعلى الشمال - وأن نتوجه إليهم بالشكر أو بالابتسامة - حتى لو لم نستلطفوهم.

 

فكّروا وأنتم تنظرون إليهِم في التسامح والتنوع والاندماج.

 

مجالنا مجالٌ اجتماعي بطبعه. وبالرغم من ظنّك أنك مختلف عني أو عنها كل الاختلاف، فنحن أقرب إلى بعض مما نظن، وأننا إن لم نتشارك شيئاً، فنحن نتشارك قصصنا الإنسانية، ونتشارك أيضاً سعينا لترجمتِها إلى أعمالٍ بصرية وسمعية، ونتشارك أيضاً حاجتنا لكلمة تُطيْب علينا هوسنا بالمثالية، ونتشارك أيضاً أن دوام الحال من المُحال، ونتشارك هذا المساء الجميل الذي ازداد جمالاً بكم.

 

شكراً لكل من عمل في صمت، وشكراً لفريق MBC الأمل، ليس فقط لرؤيتكم للأمل، ولكن لإتاحة الفرصة لصناعته هنا وفي كل الأرجاء.

 

 

 

 

Please reload