مرحبا... هل من أصدقاء؟

هذه محاولة لترجمة مدونتي السابقة: "?Hello, friend" التي شاركتها يوم ٥ إبريل ٢٠٢٠.

ـــــــــــــــــــــــــ

في وقت ما من العام الماضي، لاحظت أني توقفت عن التمييز بين أصدقائي وزملائي. ما أقصد أن أقوله هو أن ما كان يحدث على منصات التواصل الاجتماعية وعلى الفيسبوك خاصة بدأ يتبلور وبقوة خارجها، أي أنه بدأ يأخذ حيزاً من حياتي الشخصية. هل تذكر عندما كنت تتجول في الصفحة الرئيسية لحسابك على الفيسبوك ثم تقع عينيك على استحداثٍ قام بمشاركته أحد الأشخاص يطلب فيه المشاركة برمز ما أو الإجابة على أسئلة معينة لمن كان يرغب في البقاء على ”قائمة الأصدقاء“ الخاصة به، لأنه قد شعر بأن قائمة أصدقائه كبرت وتشعبت ولم تعد ترمز لصداقات حقيقية؟ وغالباً تطلب هذه المشاركات من "الأصدقاء" الرد على سؤال أو أكثر من الأسئلة التالية:

١. متى وأين كان أول لقاء لنا؟

٢. ماذا كان انطباعك الأول عنّي؟

٣. ما الخصال أو المميزات التي تحبّها فيّ اليوم؟

وبما أننا جميعاً في الحجر الصحي معاً وفي ذلك عزلة نفسية يبدو أنها جعلت الناس أكثر صدقاً وحميمية من ذي قبل، وعليه فاسمحوا لي أن أطرح التالي دون الاضطرار إلى ”لفٍّ ودوران“. دعوني أقول أنه من المرجَّح أن تؤدي الإجابات على الأسئلة السابقة إلى عرضٍ مفصّل في خانة التعليقات - أي أمام الملأ - للصفات الحميدة والخصال المميزة للسائل. وستكون إجابات كتبها أشخاص إما مدمنين على منصة فيسبوك أو ليس لديهم شيء أفضل يقومون به، وقد تشمل أشخاصاً يعيشون بمفردهم أو وحيدين أو بحاجة إلى اهتمام وحميمية. وهنا سيشترك السائل والمجيب في تضرّعهم للاهتمام والحميمية. فهل من الممكن أن يجد السائل صديق صدوق من بين المجيبين على أسئلته؟ بحسب رأي، يصعب ذلك.

تذَكُّري لهذه الصفحات جعلني أشعر بالحاجة الملحة لتتبع صداقاتي والبحث عن علاقاتي. توقفت عن الشعور بالفقد تجاه الأشخاص من حولي وجاء ذلك أيضاً كمؤشر لضرورة الالتفات للموضوع والبدء في مراحل البحث.

في وقت ما من العام الماضي رأيت أنني كلما اجتمعت بأصدقائي كنت قد أغلقت مكالمة هاتفية لنقاشِ مشروعٍ ما مع أحدهم، أو قد قمت بحل نزاع متعلق بالعمل مع آخر. عنى ذلك أنه عندما اجتمعنا كأصدقاء، كان من الصعب الشعور بالشوق تجاه بعضنا البعض - كما يفعل الأصدقاء حين يلتقون بعد فراق - لأن لقاءاتنا كانت مستمرة ولكنها كانت في سياق مختلف كما كانت علاقاتنا تحت مسمى مختلف أيضاً، فقد كنا ”زملاء“. ربما كان سبب توقفي عن الشعور بالشوق أو الفقد هو أن أصدقائي وزملائي أصبحوا تدريجياً نفس الأشخاص.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب علينا أن نَعي بالزمن الذي نعيش فيه وهو زمنٌ يُسَاهم في تسطيح الشعور بالشوق بصفة عامة. إمكانية وصولنا إلى الناس من خلال الصور والفيديوهات التي يشاركونها على حساباتهم وسهولة تتبعنا لحياتهم التي يعيشونها - وهم يتزلجون على قمة في فرنسا أو يلقون كلمة في مؤتمر في نيوزيلندا - غالباً ما تشعرنا بأننا للتو قد التقينا بهم. هذه التحديثات المستمرة تزيل بطبيعة الحال نسبة من شوقنا لبعضنا البعض ولهفتنا للقاءٍ يجمعنا بعد انفصال.

في وقت ما من العام الماضي، أخبرت زميلة/صديقة لي عن قلبي الذي انفطر وشاركتني هي أخبارها. حصل ذلك خلال تدريبات مسرحية ما. أخبرت زميلة/صديقة أخرى عن تحدٍّ واجهته وشاركتني هي أخبارها. حصل ذلك في فعالية كنّا قد حضرناها معاً. وأخبرت زميلة/صديقة عن خطأ ارتكبته وكنت أتعلم منه وشاركتني هي أخبارها. حصل ذلك في طريقنا إلى المطار بعد انتهائنا من رحلة عمل. لاحظت أنني كنت قد نثرت أجزاء من نفسي بين الآخرين وأنني كنت أحمل أجزاءً منهم معي. لاحظت أيضًا أننا كنّا في حركة مستمرة تنقلنا بين أنماط الوجود التي ألفناها: أصدقاء. زملاء. أصدقاء. زملاء. وهكذا.. كنّا أيضا في انتظار القادم باستمرار: فإما مشروع نكون فيه زملاء أو تجمّع عفوي نكون فيه أصدقاء.

في وقت ما من العام الماضي، عشت تواصلاً بصرياً أقل ولحظات صمتٍ أقل أيضاً. ولكني أذكر أني عشت الكثير من العناق والأحضان، ويا إلهي، كم كان ذلك أكثر مما تخيلت أن يحصل في عامٍ واحد. ولكن بالرغم من عدد الأحضان الضخم إلا أني شعرت وكأن طعم كل عنق منهم كان كطعم الأوقات التي نعيشها؛ سريعة وبوهيمية بعض الشيء. ولقد أصبحنا خبراء في الحديث العام، وفي القصص التي تدور حول كل شيء ما عدا حياتنا الشخصية، وفي إنقاذ لحظات عابرة من الصمت الذي اعتبره البعض محرجاً. وقد برع بعضنا في هذا الجزء أكثر من غيره، فيجب أن أعترف أنني وصلت أيضًا إلى مستوى ”الخبيرة“ في بعض من هذه المساهمات.

لم أشعر بالراحة عندما دعا أصدقائي العديد من الوجوه الجديدة - في ليلة كنت أظنها ذات طابع حميمي - خاصةً لأنني لم أعد أستمتع بالأحاديث الجانبية مع غرباء التزموا بمجاملات مريحة لمجرد أننا تلقينا دعوة من نفس الشخص، أو جمعتنا مساحة واحدة، أو أننا متابعين لأعمال بعضنا البعض على منصة انسجرام كمثال. لم يكن لدي في الواقع أي فكرة عمّن كانوا هؤلاء أو حتى أسمائهم أو تخصصاتهم أو حالاتهم الاجتماعية. فلم يكن لدينا الوقت لنعرف بعضنا على الآخر، أو ربما افترضنا المعرفة، ففي زمننا هذا ”الكل يعرف الكل“ ولا ”فين عايش؟“ وكان ينتابني شعور بالثقل عندما اكتشفت أنه قد انتهى بي المطاف في تجمع مع الكثير من المعجبين وقليل من الأصدقاء. والمثير بالاهتمام هو أنني لم أمانع الأحاديث الصغيرة الجانبية قبل هذا العام وكنت بارعة حقاً في التعرف على الغرباء في أي جلسة من الجلسات وجعلهم جزءًا من المجموعة الأكبر. لكن كان ذلك قبل العام الماضي. أما الآن وخاصة في خضم السرعة والإسراف في الإنتاجية والتنقل في كل الأرجاء، أصبحت أفتقد الاتصال والجودة واللحظات البسيطة من المتعة.

وعليّ أن أدلي بأنه إن كنت تعرفني أو تعرف نوع عملي، فستفهم إلى أي مدى استثمرت وقتي في مجال التواصل وكيف كرست طاقتي للنمو البشري خلال السنين. ولكن بدى الأمر وأني كنت أقوم بتكوين أعمالي الفنية وتجسيد وكتابة شخصياتي الدرامية بهدف التواصل ورؤية الغير وتسخير الروابط، ولكن بقي السؤال، أين هي روابطي وما مدى قوتها؟

في وقت ما من العام الماضي، أدركت أنه علي أن أبحث في نفسي أولاً قبل أي مكان آخر لصالح تتبع صداقاتي وتعقب روابطي. فاعتذرت من أغلب مجموعات الواتساب ذات التوجه الاجتماعي البحت التي كنت جزءًا منها وبقيت في عدد ضئيل فقط. وعلى عكس المجموعات السابقة التي تعامَلَت مع أعضاءها كإبرٍ في كومة قش، فإن ما ميّز الخمس مجموعات المتبقية هو أنها استضافت حفنة من الأشخاص فقط وكان لكل منهم حضوره. وغياب أي عضو كان ملموس أيضاً.

كما حاولت إقناع نفسي بتقبل الأنواع الجديدة من الصداقات التي تجلت في الآتي:

(هناك بالتأكيد أنواع أخرى ولكنني سألتزم بالتي تخدم غرض هذه المدونة)

١. الصداقات القائمة على الأنشطة وهي ظرفية بعض الشيء وغالباً ما تنتهي بنهاية النشاط المشترك الذي كان سبباً يجمع بين طرفين. وتشمل هذه الصداقات التي تزدهر خلال فترة مميزة من حياة المرء، مثل تربية مولود جديد أو الاشتراك في نظام غذائي خاص أو ممارسة نفس الرياضة أو أن تكون جزءاً من تجمع مجدول مثل حضور نادي كتاب أو تدريبات مسرحية.

٢. الصداقات القائمة على المنفعة المتبادلة وهي موجهة نحو نمو واستدامة الأعمال التجارية أو الاجتماعية وغالباً ما تعني أن معظم وقت الطرفين سيكون في إنشاء التعاونات لأعمال تجارية غالباً ما تكون منفصلة. تميل هذه الصداقات إلى الازدهار مع مساندات تتبلور على منصات وسائل التواصل الاجتماعية أو في البيع والشراء، وتنطفئ بعكس ذلك.

السمة المشتركة بين النوعين هي أن كلاهما لديه إمكانية - مع الوقت - لإعادة البلورة والتجديد، وبذلك فإنه يمكن للشخص أن يقترب من آخر مع بداية نشاط جديد أو مع ظهور فائدة مشتركة جديدة. وأنا لست ضد هذه الأنواع من الصداقات، ولكن إدراكي ببساطة أن نواتها قد لا تكون ما تصورت وأن جزء الرفقة فيها قد لا يأتي كأولوية، وأن من الممكن لها أن تبدأ وتنتهي وتتجدد في ظل ظروف مختلفة، جعلني أقل حساسية عندما بدأت بعض من هذه الصداقات في التلاشي. (تحرير: يجب أن أذكر أن من المحتمل لبعض من هذه الصداقات التي تكون قد بدأت لأسباب موضحة أعلاه أن تتحول وتتطور لتأخد الشكل الأصلي للصداقات التي تنمو معك).

وفي الوقت نفسه، عدت للبحث عن أولئك الذين أحزنني فراقهم ولازال الشوق لهم ملحاً. ووجدت نفسي أعود لأصدقاء الطفولة. وفي أحلك الأيام، اتصلت بصديقة قديمة كنت قد افترضت أنه لم يعد يجمعنا إلا القليل، لأجد أن اثنتينا قد اشتاق إلى أبسط الأشياء. ضحكنا وبكينا وتكلمنا من القلب لساعات طويلة. كانت متزوجة وأم لثلاثة أطفال وكنت أنا عازبة أقود الحياة في الغالب بمفردي. وبينما أمضت وقتها بين كتب الطهي وحضور الدروس الدينية كنت أنا أغوص في كتاباتي أو في مشروع سينمائي جديد، لكن كل هذا لم يكن يهم. العودة إلى الأساسيات والبساطة كان أفضل شيء قمنا به على حد سواء.

ذهبت مرة أخرى إلى الأساسيات عندما لاحظت أن بعض من أصدقائي لم يكونوا على علم بمعناهم عندي أو مكانتهم في قلبي، لذلك اتصلت بصديقة أخرى كان بعدها قد ترك فجوة عندي. شكرتني لأنني عبرت عن توقي إلى صداقتنا وكانت تلك الخطوة المحرك لإحياء جزء بيننا نسعد لوجوده اليوم في حياتنا.

دار بيني وبين جدتني حوار بسيط ولكن عميق صباح هذا اليوم. كانت قد حملت للتو كرسيها الخشبي المنحوت بدقة وألقت به في شرفتها المشجرة التي جلست فيها. وبينما كانت تحتسي قهوتها التركية من فنجانها المعرّق بلوني الأزرق والأبيض، أعلنت لي أنها على الرغم من أنها كانت على معرفة بجميع أهالي المدينة، إلا أنها كانت متيقنة بحقيقة الأمر فلم يكن لديها سوى عدد قليل جداً من الأصدقاء. لقد عرفت عن ظهر قلب أن هؤلاء سيكونون هناك في حالاتها الجيدة والسيئة، وإذا لم يكونوا هناك جسدياً، فسيكونوا حاضرين بقلوبهم دائمًا.