قراءة نقدية: رواية "رجال في الشمس"


نظرة في: امتداد المكان والطبيعة للجسد

رواية "رجال في الشمس"

الكاتب: غسَّان كنفاني


فاطمة البـنوي

--------------------------

يقال في بعض الشعوب “دم فلان حار” أو “دم فلان بارد” استدلالاً بالمناخ على الشخصية الهادئة أو العصبية والضعيفة أو القوية والباردة أو سريعة الانفعال. كما تدعم بعض البحوث العلمية والاجتماعية كبحوث أرسطو وابن خلدون وابن بطوطة ذلك. فنجد أن من الصعب فصل الطبيعة والمكان عن شخصية وطبيعة سكانه، ونقرأ أيضاً عن اختلافات طبائع الناس الجسدية والفكرية والنفسية تباعاً لاتجاهات الأقاليم التي يقيمون فيها. في رواية رجال في الشمس تحديداً، يطرح غسان كنفاني محوراً جديداً لهذه النظرية، سالكاً اتجاهاً معاكساً لما سبق ذكره، لكن غير منفصل عنه أو مناقد له، وهنا يسأل عن إمكانية أن تكون الطبيعة والمكان امتداداً للجسد ووسيلة مباشرة لوصفه واحياءه؟


يخاطب الكاتب هذا الامتداد ابتداء من اسم الرواية الذي يعطي القارئ نبذة ليس فقط عن الرجال بل عن الحرارة والصعوبات التي يواجهونها في رحلتهم. فلم يكتفِ بقول تحت الشمس، دلالة على مشقة عملهم تحتها، بل قال في الشمس. وكذلك لم يقل وراء الشمس، مشيراً إلى مردودِ عملٍ سياسي أو اجتماعي غير مرغوب به قام به الرجال، بل قال في الشمس. وهذا التجسيد والترابط بين الطبيعة والأجساد يظل معنا حتى نهاية صفحات الرواية.


تتَجلى في بعض المشاهد هذه التمثيلات الجسدية والمكانية والطبيعية، فنرى في المشهد الأول بداية تكوين هذا الامتداد عن طريق ارتباط الأرض بالجسد. وتنتشر ذرات رمل الأرض في جسد أبو قيس عبر عروقه وخلاياه حتى يبدأ القارئ والراوي معاً بالتساؤل، من يسمع نبض من؟ هل الأرض هي التي تنقل نبضها لجسد أبو قيس فيبدأ قلبه بالنبض أم العكس هو الصحيح؟ هذه العلاقة بين الطبيعة وأجساد كلاً من أبو قيس وأسعد ومروان بدت أقوى حتى من علاقتهم بمن حولهم من أشخاص، فإن الرواية تبدأ بتجسيد هذه العلاقة مع الأرض وتنتهي باستلقائهم عليها من جديد.



نرى في منتصف الرواية امتداداً مختلف، ليبدأ هنا من الجسد الذي يقوم بتشكيل المكان. ذلك حين خرج العجوز، أبو قيس، من دكان الرجل السمين بلكمة على وجهه، ممتلأً رأسه بالدمع، وتشكلت المخلوقات على شكل غيوم: “وراء ستار من الدمع، اتصل أفق السماء وصار كل ما حوله مجرد وهج أبيض لا نهائي” (ص. ٢٢). ومن ثم نعود لنرى امتداداً يبدأ من الأرض ليحيي الجسد، حين لم يكن له إلا أقرب الأشياء إليه، الأرض، التي تعيد النبض لقلبه ولجسده من جديد.


الرواية حقاً لا تفصل الجسد عن الطبيعة، فـنرى كيف إذا وُضِعَ الجسد في آلة يتجسد بطبيعتها ولا يستطيع الإحساس بالخطر حتى يولد الشخص منها ميتاً، أما الأرض فتنشر في الجسد نبضها حين يستلقي عليها.