قاعة انتظار أبدية/الأبدية

08/05/2015

 

تخبط الطائرة بأرجلها الأرض وتفرد جسدها على بساط أعد لاستقبالها وكأنما تقول له: ها قد عدت من جديد محملتا بناسك. وعلى أنغام بكاء أطفال في أركان الطائرة المتعددة، يصفق الكبار والصغار على وتيرة واحدة ثم تتسارع أجسادهم لملئ صفي الطائرة الضيقين استعدادا للخروج. أما أنا، فكنت أفكر في سبب تسرعهم في التصفيق، لماذا يصفقون والطائرة لم تقف بعد، فأصدقاء لعائلتي قد تفجرت بهم طائرة قبيل أيام لحظة الهبوط…؟

 

من ذات الحدث أبدأ بتدوين نقطة انطلاق رحلة الانتظار الأبدية… أخرج متجهة إلى منصة لوحتها تقول “رحلات الترانزيت” فيقول لي الموظف أن اتجه إلى الكاونتر حيث باقي الموظفين. أقف في طابور يسألني فيه رجل أفريقي إن كنت أتحدث الفرنسية، فأجيب بردي المفضل والمعتاد: “آمبو.” بالرغم من أنني أقتصد في الإجابة فأخبره بجوابي أنني اتحدث منها القليل إلا أنني أتمنى أن يسترسر فأجيبه عن تسائله. فبهذا أكون له عونا وفي الحين نفسه أطمئن نفسي: فلم تضع سنة الفرنسي في هارفرد هباءاً.. وهذا بالفعل ما صار.

 

تخبرني الموظفة أنني في المكان الصحيح وأنه يجب أن أترك جواز سفري على طاولتها لتنادي اسمي مع اقتراب الأتوبيس. وما أدراك ما الأتوبيس! استغرب من طلبها وأرفض، فمن يريد أن يترك جوازه في كاونتر مفتوح لا أرى عليه مسؤول! بعد نصف ساعة، أذهب مرة أخرى للتآكد من موضوع الأتوبيس فوالله أنني “جوعانة وحشرانة” ولا أريد اشباع الأول لأتهنى به في مقهى أفضل من الكافيتيريا فيما بعد، ولا أريد الانشغال بالثاني حتى لا يفوتني الاتوبيس.

 

نادى رجلٌ قد راقبته “الاوتوبيس، الاوتوبيس..” تسارت مجموعة من ذوي جوازات السفر الخضراء التي تم ردها لهم قبيل الانطلاق، وأخذنا نلحقه كطابور مدرسي لطلاب الصف السادس. فطلاب السادس أو المتوسطة ليسوا كطلاب الصف الأول في الانضباط والطاعة لكثرة قصصهم وارتباطهم بأصدقائهم… أو لأن كل ما كبر شخص وزادت عروبيته، قل التزامه بالطوابير وزاد كررهه لها. المهم، وصلنا إلى باص قديم بقدم عمري، وعتيق كمتحف مصر للمومياء، ومعدوم المكيفات. طب شبابيك؟ “افتح الشبابيك يا عم..”

 

يقف الباص ويفتح بابه الأمامي وأظن بهذا أننا نقف انتظارا لفوج آخر من المسافرين ولكن أبداً، هذه هي قاعة انتظارنا التي سنجلس بداخلها بدون تكييف لمدة ٥ ساعات من الزمن. الباب للقاعة مغلق، فننتظر في ذلك الاتوبيس عديم المكيفات حتى تفتح الأبواب… آه أقول أبواب وكأنها أبواب لحدائق وقصور، ولكني أقصد ذلك الباب الذي يفتح العسكري درفته الواحدة ذو البرواز الأبيض ليستقبل عشرات من المسافرين والأطفال والمعتمرين إلى قاعة تملئها إعلانات شركات اتصال معلنتا خصومات لأسعارالتجوال في بلاد الحرمين.

 

أسمع خناقات بين الحين والأخرى، وبعدها أرى رجل يخرج من العراك مبلل الظهر والجبين، ثم يخرج من إطار المعركة إلى إطاره العائلي حيث يحاول تهدئة أطفاله الأربعة وطفله الرضيع. الساعة ١٠:٤٥ ولم ينادي علينا أحد، البوابة مغلقة، العسكري ليس على بعد نظري، والرحلة الساعة ١١:٢٠. هل نسونا؟ أمسك بحقيبتي وأذهب إلى أول عسكري أراه.

 

أنا: “لو سمحت، رحلة ١١:٢٠ لجدة، حصلها ايه؟ 

العسكري ١: اووه آخر تحديث للرحلة دي انها بأت الساعة ١:١٠.

أنا: ساعتين تأخير ومحد يبلغنا!!! ممكن تاخدونا في باص عالمطار الطبيعي بدل القاعة دي؟

العسكري ٢: بصي الغرفة اللي هناك دي، دا بتاع العلاقات العامة. روحي اوليلو هناك أحسن.

 

أتحرك مسرعة لانقاذ الموقف فربما ربما استطيع اقناعه أو ربما كان ينتظر من يقوم بإبداء رأيه في الأمر ليقوم بتنفيذ الفكرة.

 

أدخل على الغرفة ١:

 

أنا: لو سمحت، ايه اللي حصل لرحلة ١١:٢٠؟

الموظف: آه هي حتتأخر ساعة. 

أنا: يعني إقلاع امتة؟

الموظف: الساعة ١:١٠

أنا: آه يبأه دي ساعتين مش ساعة. وكان لازم أنا اللي آجي أدور ولا حد كان من المفرود يجي يدينا خبر باللي حاصل؟

موظف آخر: بصي العلاقات العامة في الغرفة اللي جمبينا. ينفع تؤليلو الكلام دا.

 

أتحرك لكنها واصلة معايا الآن.

 

أنا (ممتصة بعض من استغرابي واندهاشي من المعاملة): لو سمحت… أنا على رحلة جدة، وبسبب التأخير الشديد والحر الأشد، في امكانية تاخدونا عالقاعة التانية؟

موظف العلاقات العامة (وهو مخلخل من على كرسيه في وضعية محبطة جدا وصوته لا يطلع من بطنه): لأ مفيش.

أنا: طيب أنا أفهم إنه علاقات عامة معناها تيجو تبلغونا بالتأخير عالأقل.

موظف العلاقات العامة: وكأنني لست أمامه

أنا: أفهم برضه إنه علاقات عامة معناها تبص وتدي شوية اعتبار للزبون اللي ادامك. شكرا…

 

------------

 

غادرنا القاعة بعد ساعات من الحر، وتهافتات بين ركاب وموظفين، وأكل كروسون بالجبنة لا طعم له إلا الدهون التي اتكئت على جانبي مع كل لقمة.

 

طارت الطائرة بعد أن أخذنا باص آخر، وشاهد الموظف لقطة على جواله أعجبته فضحك بصوته العالي، وانفعل رجل معتمر حاول حبس اعتراضه حتى لا يفسد رحلة روحانية بأخرى تبعث به للجنون، وتساقطت من جبيني حبات ملح معدنية وتمنيت أن أكون تحت ماء بارد، يوقظني من ظلمة باص، وظلمة ناس، وظلمة زمن.

 

وصلت الطائرة ولم يصفق أحد…

Please reload